نخبة من الأكاديميين
302
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
أساسيًا في نمو وتطور " المسألة الشرقية " ؛ أي الصراع بين الدولة العثمانية وبين رعاياها من المسيحيين في جنوب شرق أوروبا ، ولقد تدخلت القوى الأوروبية في تسوية وإدارة هذه الصراعات على نحو لا ينال من توازن القوى في أوروبا . وكان للأغلبية في منطقة البلقان روابط لغوية وعرقية ودينية مع القوى الأوروبية الصاعدة المناهضة لهيمنة الدولة العثمانية ، ولقد تبلورت لدى هذه الأغلبية الجاذبيةُ نحو الأيديولوجيات العلمانية أو القومية الأوروبية ، كما أن القرب الجغرافي ساعد بقوة على محاولات إفلات هذه الأغلبية من السيطرة العثمانية وذلك بالاستعانة بالقوى الأوروبية المجاورة . الاتجاه الثاني : تبلور في كتابات مؤرخين مسلمين ، وهو يرفض أن يُرجع الأزمات الأوروبية الشرقية إلى نمو القومية البلقانية كرد فعل للاضطهاد المسلم العثماني ، ويرى أن هذه الأزمات ليست إلا رد فعل للصراع القوي والمستمر بين روسيا القيصرية وبين الدولة العثمانية ، ويمكن أن نستخلص مبررين أو بندين رئيسيين انقسمت بينهما روافد هذا الاتجاه : أولهما : هو طبيعة الحكم العثماني لهذه المناطق بعد فتحها حيث اكتفت الحكومة العثمانية بتحصيل الخراج غير متعرضة لشعوب هذه المناطق دينها ولغتها وتقاليدها ومن ثم نشطت لغة وعصبية كل أمة . ومع ذلك يبين البعض كيف أن التسامح والاعتدال كانا الآفة التي استغلتها القوى الأوروبية للنيْل من الدولة العثمانية وتوجيه الضربات إليها من الداخل بحيث أضحت القوميات والملل غير المسلمة أحد أهم أسباب ضعف الدولة العثمانية . ثانيهما : يتساءل متشككًا حول هذه الروابط العميقة التي أضحت منذ نهاية القرن الثامن عشر م بين الشعوب المسيحية البلقانية وبين غرب أوروبا خلال سعي الأولى للاستقلال عن العثمانيين وطوال القرن التاسع عشر م . في حين أن أهل البلقان هم إلى الشرق أقرب ، سواء من ناحية الجنس أو العقيدة أو الأخلاق والعادات أو الحضارة ، وخضوعهم للأتراك لم يكن أمرًا شاذًا ، بل كانوا طوال تاريخهم أعداء أوروبا الغربية ، فكان الصليبيون الغربيون يشعرون أن بيزنطة عدٌّو لهم لا صديق ، ولم يلبثوا أن أعلنوا حربًا صليبية على الدولة البيزنطية . . وظل العداء يتأرجح في صدر كل من الكنيستين الغربية والشرقية زمنًا طويلًا خلال العصر الحديث ، ولم تُعنَ الدول الغربية بشأن البلقان إلا بدوافع سياسية صرف ، ومن ثم فثورة البلقان لم تكن تعصبًا خالصًا للغرب ولا رغبة من أهله في الحرية أو صدى لانتصار مبادئ الثورة الفرنسية ، ولم تكن ثورة أوروبا من أجلها صادرةً عن تعاطف من هذه الدول مع أهل البلقان بل كانت في الغالب صدى مباشر للصراع بين روسيا وتركيا . وتجدر الإشارة هنا إلى أن تحليلات غربية أيضًا اعترفت بهذه الفجوة التاريخية بين شرق وغرب أوروبا . ولكنها من ناحية أخرى أبرزت روابط مشتركة مبعثها التطورات الاجتماعية والسياسية الحديثة . هذا ، وعلى ضوء الدراسة التفصيلية لتطور هذه الأزمات الثلاث يمكن القول : إن القاسم المشترك